تلّة المعلَّق
جمال عسكر
📁 الملف الأخير — البندارية
📁 الملف الوثائقي (مرفقات القضية: غير قابلة للأرشفة)
الوثيقة الأولى: [محضر رسمي]
الجهة: مديرية أمن الدقهلية – نقطة شرطة البندارية
رقم المحضر: ٤١٣ إداري / لسنة ١٩٥٤
التاريخ: ١٢ نوفمبر ١٩٥٤
الموضوع: بلاغ باختفاء عامل مساحة (سيد عبد الرحمن).
أقوال الشهود: أفاد خفير المنطقة أن المذكور صعد التلة لرفع مقاسات تمهيداً لشق ترعة فرعية. وُجدت معداته (شريط قياس، حقيبة قماشية بها هدايا لأسرته) عند منتصف الميل الصاعد، ولم يُعثر له على أثر.
ملاحظة المحقق (ملازم أول/ مصطفى فهمي):
تم تمشيط المنطقة المحيطة بشجرة التوت اليابسة. لم يُعثر على جثة. الغريب أن آثار حذاء المفقود في التراب تصعد ولا تنزل. قمت بسؤال أهل القرية، ولم أجد تعاوناً. الجميع يكررون نفس الجملة الغبية.
القضية تُقيد ضد مجهول لعدم الاستدلال.
يُحفظ.
يُحفظ المِلَف.
الرجل لم يصل.
يُحفظ.
الوثيقة الثانية: [تقرير طبي]
الجهة: مستشفى السرايا الصفراء بالعباسية (عنبر المودعين من الأقاليم)
تاريخ الإيداع: ٤ ربيع الأول ١٩٣٣
اسم المريض: صبحي عبد الرازق (من قرية البندارية).
(ملاحظة: المريض هو الصبي الذي كان أول من رأى جثة الغريب عام 1882، وقد أُودع المصحة في شيخوخته).
التشخيص المبدئي: فصام سمعي متقدم، وهلاوس بصرية ناتجة عن صدمة قديمة.
ملاحظات الطبيب المعالج: المريض يرفض التحدث. يجلس في مواجهة الحائط المدهون باللون الأبيض. يعاني من تشنجات عنيفة حين تُذكر أمامه كلمة "التلة" أو "الساعة".
اليوم بدأ يتحدث، لكنه لا يستخدم صوته. يقلد أصواتاً أخرى.
سمعته اليوم يقلد صوت عجلات عربة كارو خشبية. ثم قلد صوت مجرفة تضرب في التراب. ثم صوت محرك آلة ضخمة لا أعرفها.
النبض: طبيعي.
الحدقة: متسعة.
الضغط: مستقر.
الصوت: سمعت.
التنفس: سمعت.
الحالة: سمعت.
التقييم: سمعت.
الوثيقة الثالثة: [شهادة مشوهة]
المصدر: تفريغ صوتي لشريط كاسيت مُدمَّر جزئياً (وُجد ضمن أرشيف أبحاث فولكلورية مهملة – سجلت عام ١٩٨٨).
المتحدث: غير معروف (رجل مسن من القرية).
[صوت هواء قوي يضرب في الميكروفون]
"...أنا قلتلهم ما يطلعوش. الأرض هناك مش بتشرب المية، بتشرب الوقت.
(تشويش إلكتروني حاد)
لا…مش جرار…
كان…
كان قبل كده…
(سعال جاف وطويل)
شفت التلاتة واقفين فوق. بس هما مكانوش تلاتة. هما كانوا... كانوا... بيستنوا الدور.
(يتغير نبرة الصوت تماماً، يصبح أبطأ وأثقل، لا يبدو كصوت نفس الرجل المسن):
كان ماشي في طريقنا.
الطريق فاضي.
الأرض بتمشي بيهم.
بتمشي بيهم.
بـ تـ مـ شـ يـ
[ينقطع التسجيل فجأة بصوت طقطقة عالية تشبه كسر عظم]
الوثيقة الرابعة: [ورقة سليمان المُعدّلة]
المصدر: قصاصة ورقية من دفتر الصحفي "سليمان أفندي" (مؤرخة ١٩١٩ – تقرأها الباحثة "نور" في ٢٠٢٦).
(ملاحظة الفحص: النص الأصلي مكتوب بحبر أسود باهت، تليه إضافات ظهرت فجأة بحبرٍ جاف لا ينتمي لزمن الورقة الأصلي).
[النص الأصلي]:
"كتبتُ عن الثورة، وعن الهتافات، وعن الناس. ولم أكتب عن التلة."
[السطر الفارغ الذي تلا النص، ظهرت فيه الكلمات التالية تباعاً أمام عيني نور]:
سمعت.
سمعتُ الصوت.
الصوت لم يكن لي.
التلة لا تقتل الغريب.
التلة …
أنا مش فاكر أنا مستني مين.
سمعت.
سمعت.
سمعت.
سمعت.
سمعتسمعت
سمعتسمعتمعت
(تتداخل الكلمة الأخيرة حتى تملأ هوامش الورقة وتغطي على النص الأصلي، كأن اليد التي تكتبها فقدت السيطرة أو فقدت العقل).
🧾 [ملاحظة بخط مجهول]
"عددهم كان ثلاثة."
"أنا متأكد."
"ليه كل مرة… بشوف أربعة؟"
☾ ☾ ☾
📖 الفصل السابع: ما لا يُدفن
(2026)
لم تعد تسمع الرنين.
أو ربما… لم يعد مهماً.
الهاتف في يدها.
الشاشة مضيئة.
الاسم لا يزال هناك:
طارق
لم تضغط.
ظلت تنظر.
ثم-
انطفأت الشاشة وحدها.
رفعت نور رأسها.
الباب مفتوح.
وزينب… لم تعد هناك.
لم تفكر.
لم تنادِ.
تحركت.
خرجت إلى العتمة.
الطريق إلى التلة لم يكن كما كان.
لم تتذكر أنها مشته من قبل.
ومع ذلك-
لم تتردد.
الهواء لزج.
الصمت… أقرب.
كانت تسمع أنفاسها.
أو-
شيئاً يشبه أنفاسها.
عند بداية الصعود، توقفت لحظة.
ليس لأنها تعبت.
بل لأن الأرض تحت قدمها…
لم تكن ثابتة تماماً.
كأنها… تستجيب.
رفعت قدمها.
وأكملت.
خطوة.
ثم أخرى.
لم تنظر خلفها.
في منتصف الطريق-
سقط شيء.
لم تنتبه في البداية.
ثم أدركت.
الهاتف.
كان في يدها.
لم تنحنِ لالتقاطه.
واصلت.
القمة كانت قريبة الآن.
أو-
هكذا بدا.
حين وصلت-
لم تجد أحداً.
لا زينب.
لا أثر.
فقط التلة.
وشجرة التوت.
كانت أقرب مما تتذكر.
تقدمت ببطء.
توقفت تحتها.
رفعت يدها-
لمست الجذع.
بارد.
أبرد مما يجب.
أنزلت يدها.
شيء ما كان في الأرض.
نظرت.
لم تكن حفرة.
لكن التراب-
لم يكن مستوياً.
كما لو أن شيئاً تحته…
يتحرك ببطء.
لم تبتعد.
وقفت.
الهواء ساكن.
ثم-
صوت.
ليس واضحاً.
ضربة.
معدن… على تراب.
مرة.
ثم-
مرة أخرى.
أغلقت عينيها.
الصوت أقرب الآن.
ثم-
أنفاس.
قريبة جداً.
فتحت عينيها.
لا أحد.
لكنها لم تتحرك.
كأن جسدها يعرف مكانه.
في مكان ما-
خلفها-
خطوة.
ثم أخرى.
خفيفة.
صغيرة.
لم تلتفت.
لكنها سمعتهم.
ثلاثة.
يتوقفون.
بنفس المسافة.
أمامها-
شيء.
لم يكن هناك قبل لحظة.
امرأة.
تقف تحت الشجرة.
زينب.
لكنها لا تنظر إليها.
تنظر… إلى شيء في يدها.
ترفعه قليلاً.
تمرر إصبعها عليه.
ببطء.
كما لو كانت تتأكد…
أنه ما زال هناك.
شعرت نور بشيء في يدها.
لم تكن تمسك شيئاً.
لكن الإحساس كان واضحاً.
أغلقت أصابعها-
كأنها تمسك…
رفعت يدها أمام عينيها.
لا شيء.
لكنها لم تُنزلها.
خلفها-
الخطوات توقفت.
أمامها-
زينب رفعت رأسها.
نظرت-
ليس إلى التلة.
إلى نور.
عيناها…
فارغتان.
كما لو أنها-
لا تتذكر.
تحركت شفتاها.
لم يخرج صوت.
لكن الكلمات كانت واضحة.
"أنا مش فاكرة…"
لم ترد نور.
لم تستطع.
شيء ما انزلق داخلها.
ليس فكرة.
ولا خوف.
إحساس.
قديم.
كما لو أنها-
كانت هنا من قبل.
نظرت إلى الأرض.
ثم-
انحنت.
التقطت الكاميرا.
عدستها مشروخة.
مسحتها بطرف كمّها.
ببطء.
رفعتها.
نظرت من خلالها.
الإطار-
لم يكن فارغاً.
زينب.
الشجرة.
وخلفها—
ظلال.
أربعة.
لم تُنزل الكاميرا.
الصورة ثابتة.
الصوت-
بدأ يعود.
ضربة.
ثم-
أنفاس.
ثم-
شيء آخر.
صوت.
تعرفه.
قال:
"…"
لم تميّز الكلمات.
لكنها لم تحتج.
خفضت الكاميرا قليلاً.
ثم-
رفعتها مرة أخرى.
"الصوت واضح."
قالتها نور.
بهدوء.
ثم-
بدأت تسجّل.
…
…
سمعت.
> 📁 تم الحفظ
> سمعت.



ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق